مقالات

هل أصبحت المدرسة خارج منظومة التعليم؟

ا.د عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية
والرئيس الأسبق للهيئة العامة لتعليم الكبار

لطالما كانت المدرسة تُعدّ المؤسسة التي يعهد إليها المجتمع بتربية أبنائه وتعليمهم، وصياغة وعيهم، وغرس القيم في نفوسهم. لم تكن مجرد مكان لتلقّي المعلومات، بل فضاءً متكاملًا للتنشئة الاجتماعية، وبناء الشخصية، واكتشاف القدرات. غير أن هذا الدور يبدو اليوم موضع تساؤل حقيقي: إلى أي مدى ما زالت مدارسنا تؤدي هذه الوظيفة كما ينبغي؟
عند النظر إلى واقع العديد من المدارس، خاصة الحكومية، نجد فجوة واضحة بين الدور المفترض والدور الفعلي. فالكثافة داخل الفصول، وضعف الإمكانيات، وتراجع مستوى البنية التحتية، كلها عوامل تؤثر سلبًا على جودة العملية التعليمية. كما أن اعتماد أساليب تقليدية في التدريس، تقوم على الحفظ والتلقين، يحدّ من قدرة الطلاب على التفكير النقدي والإبداعي. وبدل أن تكون المدرسة بيئة محفزة للتعلم، أصبحت في نظر كثير من الطلاب مكانًا روتينيًا يفتقر إلى الجاذبية.
لكن ما الذي أصاب المدرسة في الفترة الأخيرة حتى وصلت إلى هذا الوضع؟ يمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب متداخلة، منها تراجع الاهتمام المجتمعي بالتعليم كقيمة أساسية، وضعف تأهيل المعلمين أو انخفاض حوافزهم، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر فاعلية في نظرهم. كما لعبت السياسات التعليمية غير المستقرة دورًا في إرباك المنظومة، حيث تتغير المناهج والأنظمة دون إعداد كافٍ أو رؤية واضحة طويلة المدى. كما أن تعاقب وزراء على رأس وزارة التربية والتعليم دون امتلاك بعضهم الخبرة الكافية أو القدرة على إدارة هذه المنظومة المعقدة، ساهم في غياب الاستقرار، وتحويل التعليم إلى سلسلة من التجارب غير المكتملة.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الدروس الخصوصية كبديل شبه أساسي للمدرسة. لم تعد هذه الدروس مجرد دعم إضافي، بل تحولت إلى المصدر الرئيسي للتعلم لدى كثير من الطلاب. وأصبح حضور المدرسة شكليًا في بعض الأحيان، بينما يتم التعلم الحقيقي خارجها. هذا التحول أضعف من مكانة المدرسة، وجعلها تتنحى جانبًا لصالح منظومة موازية قائمة على الدفع مقابل الفهم.
وهنا يبرز تساؤل مهم: هل ما يحدث اليوم يحقق ما كان ينادي به المفكر التربوي “إيفان إيليتش” صاحب فكرة اللامدرسية؟ لفهم الإجابة، لا بد من توضيح مفهوم “اللامدرسية” كما طرحه إيليتش. فهو لم يكن يدعو إلى إلغاء التعليم أو تركه للفوضى، بل كان ينتقد احتكار المدرسة لعملية التعلم، ورأى أن التعليم الحقيقي يمكن أن يحدث خارج الجدران التقليدية من خلال شبكات مفتوحة تتيح للأفراد تبادل المعرفة بحرية، وفق اهتماماتهم واحتياجاتهم. تخيّل إيليتش مجتمعات يتعلم فيها الناس عبر التفاعل المباشر، والخبرة العملية، والوصول الحر إلى مصادر المعرفة، دون أن يكون التعليم مرتبطًا بشهادات أو مسارات مفروضة.
بهذا المعنى، كانت “اللامدرسية” دعوة لتحرير التعلم، لا لتحويله إلى سلعة. أما ما يحدث اليوم من انتشار الدروس الخصوصية، فهو على النقيض تمامًا من هذه الفكرة؛ إذ يقوم على تعزيز الاعتماد على المعلم كمصدر وحيد، وعلى الدفع مقابل المعرفة، وعلى سباق محموم للحصول على الدرجات، لا على تنمية الفهم أو الشغف بالتعلم. كما أن هذا النظام يكرّس الفوارق بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع، بينما كان إيليتش يحلم بنظام أكثر عدالة وانفتاحًا.
إن الخلط بين “اللامدرسية” كما تصورها إيليتش، وبين الواقع الحالي الذي تتراجع فيه المدرسة لصالح بدائل تجارية، هو خلط خطير. فالأول مشروع فكري يهدف إلى توسيع فرص التعلم وإعادة إنسانيته، بينما الثاني نتيجة لأزمة في النظام التعليمي أدت إلى فقدان الثقة في المدرسة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن المشكلة لا تكمن في فكرة المدرسة ذاتها، بل في كيفية إدارتها وتطويرها. فالمدرسة ما زالت قادرة على أداء دورها، إذا توفرت لها مقومات حقيقية: معلم مؤهل ومحفَّز، بيئة تعليمية مناسبة، مناهج حديثة، ونظام تقويم عادل يشجع على الفهم لا الحفظ. كما أن إعادة الثقة بين الطالب والمدرسة تتطلب إصلاحًا شاملًا يعيد للمدرسة مكانتها كمؤسسة أساسية في بناء الإنسان.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نعيد إحياء دور المدرسة، أم نتركها تذبل لصالح بدائل قد لا تحمل نفس الرسالة التربوية؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، والعمل الجاد على معالجتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى